الرئيسية / من الذاكرة الوطنية / نحتاج إلى قراءة “لعبة روابط القرى” لنعدل شيئاً من بوصلتنا :

نحتاج إلى قراءة “لعبة روابط القرى” لنعدل شيئاً من بوصلتنا :

بحثت إسرائيل عن “نخبة” يساعدها في حكم الفلسطينيين تفصل لها أدوارها ، وكان ذلك عبر مناحم ميلسون، فهو مستشار الشؤون العربية في الحكم العسكري الإسرائيلي، وهو الخبير والمتخصص بالأدب العربي والمحاضر في الجامعة العبرية.
وهذا جاء بعد انتخابات البلدية عام 1976، التي فازت فيها “قوائم لجنة التوجيه الوطني” الممثلة عن المنظمة.
بعد هذا بدأت إسرائيل لتشكيل قيادة موازية تتواطأ وسياساتها الداعية للسيطرة على السكان وتمرير مخططاتها السياسية على الشعب الفلسطيني، بعد إبعاد “منظمة التحرير” عن تمثيل فلسطينيي الداخل وإضعاف لجنة التوجيه الوطني وهي قيادة تمثل الذراع القوية في الداخل للمنظمة، وكانت تضم كل الفصائل والأحزاب ومجالس البلديات ومؤسسات أخرى. كان هذا قوة نفوذ ضخمة للحركة الوطنية في الأراضي المحتلة.
وضع مناحم ميلسون كامل خبرته الأكاديمية بما يحمله من معرفة بالعقلية العربية وإمكانات التأثير فيها، وخبرته العسكرية بكونه مستشاراً للشؤون العربية لدى الحاكم العسكري التي أثمرت معرفة واسعة بطبيعة المجتمع الفلسطيني، ليحكم رؤيته حول تشكيل روابط القرى، وأراد منها تحقيق عدة أهداف أهمها محاولة تهميش وتجاوز القيادة الوطنية الفلسطينية، التي كانت قد صارت شرعية بانتخابها في المجالس البلدية، وليس أخيراً الدفع إلى تكريس «المناطقية» بإنشاء هذه التشكيلات من «المتعاونين» من القرى التي تقع خارج صلاحيات مجالس البلدية، وذلك في محاولة مكشوفة لإحداث شرخ بين «المدينة» و«القرية»، والبحث عن شخصيات يمكنها أن تماثل الشخصيات الوطنية التابعة لـ«منظمة التحرير»، كما يمكنها أن تؤدي هذا الدور بإتقان يجعلها تنجح فيه.
وجد ميلسون غايته في مصطفى دودين، الذي لبى طلبه ووافق عليه ليُعلن تشكيل روابط القرى في 1979، وقد أعطيت لها صلاحيات واسعة سياسية وخدماتية واقتصادية، لتكون بديلاً حقيقياً من المجالس البلدية والقروية التي لم تكن تخضع لرؤية إسرائيل.
أعطت لدودين نفوذاً كبيراً شمل حتى النفوذ الأمني حتى لو بصورة بسيطة. كان الهدف منه واضحاً، وهو ترويع السكان، ومقابل هذا النفوذ ثمة ثمن واضح هو “إعادة توجيه السلوك السياسي الفلسطيني” ليصير وفق رغبتها وسياساتها المختلفة.
إن الرؤية الإستراتيجية لميلسون في التعامل مع فكرة روابط القرى كانت تنبع من رؤيته إلى العناصر المركزية الثلاثة التي رأى ميلسون أنها تحدد الولاء السياسي الفلسطيني، أي المال، والتوصل إلى مراكز القرار، والقدرة على إلقاء القدر الأكبر من الخوف في نفوس السكان، وهذه جميعها أُعطيت لروابط القرى في جرعات متزايدة بالتدريج….
توسعت الروابط لتصير في سبع مناطق إدارية في الضفة: رابطة قرى الخليل ، ورابطة قرى بيت لحم ، ورابطة قرى نابلس برئاسة ، ورابطة قرى طولكرم ، ورابطة قرى رام الله ، ورابطة قرى جنين ، ورابطة قرى قباطية.
من أساليب الروابط اللعب على الأصول العائلية و المناطقية و كان يرجع بالأساس إلى ما كانت هذه العائلات تلقاه من احترام واضح داخل المجتمع الفلسطيني، فإنه كان يعلم ميلسون أيضاّ طبيعة الحساسيات الشديدة بين تلك العائلات ورغبة كل منها في تصدر العمل السياسي العام.
بدأ ميلسون بكامل خبرته بالتوازي مع ذلك، باشر مصطفى دودين العمل على نشر فكرة الروابط وتعميمها في مختلف المناطق في الضفة المحتلة بعد تشكيله رابطة القرى في الخليل، التي حاول تمريرها في البداية بين المواطنين من خلال الإعلان ظاهرياً أنها تعمل على التنمية الريفية، واستند بها إلى الجمعية الزراعية التي كان يترأسها شقيقه.
و كان النجاح النسبي للروابط نابعاً من الإجراءات التي مارستها سلطات الاحتلال بسحبها الصلاحيات التابعة للمجالس البلدية كمنح رخص البناء، بالإضافة إلى امتياز تقديم طلبات لمّ الشمل وإصدار التصاريح، كما أعطتها صلاحيات كثيرة ، الأمر الذي دعاها إلى تطوير هيكليتها التنظيمية لتناسب عملها، ثم إصدار صحف ناطقة باسمها ومعبّرة عن رؤيتها كـ”المرآة” و”أم القرى”.
كانت روابط القرى خارجة عن نطاق المجتمع الفلسطيني وأعرافه… ولكن:

اللعب على الأصول العائلية و المناطقية:
لقد كان من الواضح أن ميلسون بكامل خبرته وعقليته الاستشراقية، التي تتعامل مع الواقع الفلسطيني بحرفة المستشرق، وذكاء الأكاديمي، وحسم العسكري، عجز عن التعامل مع بسام الشكعة الذي قاد حملاته ضد روابط القرى بوطنيته وشعوره النضالي وقوة صوته كونه منتخباً من أبناء شعبه وليس معيَّناً. لقد كان يحمل في داخله قوة أبناء شعبه الفلسطيني عامة، وأبناء مدينته نابلس خاصة، وهنا يبدو ملحوظاً الشرعية التي كان يحظى بها هؤلاء القادة والقوة التي كانوا يمتلكونها في تلك المرحلة خلال تعامل الاحتلال معهم، ورفضهم إملاءه وتهديده، مقابل غيابها في هذه الأيام.
الشكعة، مثلاً، ينحدر من إحدى العائلات المعروفة والمرموقة في مدينة نابلس، وهذا ما حاول الحاكم العسكري للمدينة آنذاك صنعه حين طلب لقاء الشكعة في مكتبه. يقول الأخير: «دعاني الحاكم العسكري وكان اسمه مصافي، وحينما وصلت كان أمامه مجموعة من الأوراق، فقال لي: بسام نحن حرنا في أسباب المظاهرات في نابلس، وبعد استخدام مخابراتنا وجدنا أنك السبب، وأن هناك عائلات تتظاهر ضد عائلتك وهي عائلة المصري؛ في محاولة للإيقاع بيننا. قلت له ما يجب أن تعرفه أنكم غرباء في هذه البلد وأنتم احتلال ولا تعرفون الوضع الاجتماعي في مدينتنا. إن في دار المصري 12 رجلاً ينادونني بخالي، كما أن نائبي في البلدية هو من عائلة المصري، ظافر المصري، وكان هذا الرد كفيلاً بإنهاء المقابلة لإخفاق الهدف منها».

الشكعة يتذكر :
يقول بسام الشكعة، الذي كان رئيس بلدية نابلس، «لقد حاول الاحتلال من أجل تحقيق غاياته طرح شعار الحكم الذاتي من أجل تمريره وتطبيقه في الأرض المحتلة، لكنه فشل، لذلك سعى لأن تتسلم البلديات إدارة شؤون المواطنين الفلسطينيين، فأجرى انتخابات بلديات في 1973 ثم انتخابات أخرى في 1976، كان من الواضح أن الاحتلال أراد تطبيق الحكم الذاتي كي يفصل فلسطينيي الداخل عن المنظمة في الخارج».
يضيف الشكعة في شهادته على تلك المرحلة أن «القوى السياسية والجماهير بدأت مقاومة هذه النوايا، فعينوا موعد الانتخابات، وكانت الفترة التي مضت فترة وعي الجماهير حول طبيعة الحكم الذاتي وأهدافه، والأخطار التي ترتبط به… تشكلت قوائم تشمل التيار الوطني من كل الفئات ونجحت قوائم لجان البلديات في كل المواقع في الوطن».

الضغوط :
حاولت إسرائيل ممارسة الضغوط على مجالس البلديات من أجل استعمالها أدوات ، لكن هذه المجالس قاومت، فبدأ الاحتلال اتهامهم بالتورط في النشاط السياسي وأعتقلت وأبعدت وحاولت الأغتيال ووضعتهم قيد الأقامة الجبرية ومنهم بسام الشكعة وكريم خلف وابراهيم الطويل ووحيد الحمد الله وفهد القواسمي وغيرهم …
وهنا الشكعة يتذكر :
عندما ترأس المجلس البلدي في نابلس، حضر (الرئيس الإسرائيلي الراحل) شمعون بيريز ليسلمه أوراق التعيين. ويضيف: «كان واضحاً من كلامه (بيريز) أن شرط استمرارنا هو تطبيق القوانين وقرارات السلطات الإسرائيلية، وأنا قلت له بصراحة: نحن تحت احتلال وعلاقتنا بالاحتلال تحددها القوانين الدولية والمحلية، الأمر الذي لم يرق له نهائياً. أثناء العمل مع الحكام العسكريين تكرر الكلام نفسه: من أجل نجاحكم في مهمتكم عليكم التزام تطبيق القرارات العسكرية، لكن موقفنا كان واضحاً وصريحاً منذ اليوم الأول لتسلّمنا مهام عملنا في المجالس: مهمتنا كما وكّلنا بها الشعب أن لا نطبق القرارات العسكرية وأن نطبق قرارات شعبنا واحتياجاته.

الأدارة المدنية ومحاربة المؤسسات الوطنية والشخصيات الوطنية :
في نابلس تحديداً، بدا الرفض الكامل لروابط القرى، ثم انتقل إلى باقي القرى حتى أحبطت ذلك المشروع، فكانت النتيجة أنّ الاحتلال أقدم على إبعاد رؤساء البلديات في المدن الرئيسية، وعمل على تحويل الحكم العسكري في فلسطين إلى إدارة سماها الإدارة المدنية حتى تكون مدخلاً لإدارة مدنية فلسطينية…..
وأفتتحت «الإدارة المدنية» الإسرائيلية في الأول من تشرين الثاني 1981، رفضتها «لجنة التوجيه الوطني» ورأت أنها تكتيك هدفه إنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير وفي دولة لهم. كان الشكعة، كما يقول جيفري أرونسون، مثل ميلسون نفسه، يرى أن «الإدارة المدنية» ليست أداة للمصالحة بل للمجابهة، فقد أعلن أن «هذه الهيئات العدوانية ستقاتل المؤسسات الوطنية بالوسائل كافة». ومن أوّل ما فعله ميلسون في ذلك الوقت الأمر بإغلاق جامعة بير زيت لمدة شهرين لكونها انطلقت مع أخواتها من الجامعات في الضفة كجامعة النجاح الوطنية وغيرها في مظاهرات رافضة لـ«الإدارة المدنية»، فيما عمل الإسرائيليون على إبعاد الشكعة وزملائه من رؤساء البلدليات ككريم خلف وإبراهيم الطويل، كما حاولوا اغتيالهم.
ولسلطة الحكم العسكري الإسرائيلي تجربة سابقة في 19799 حينما أمرت بإبعاد الشكعة واعتقلته بانتظار تنفيذ القرار، والسبب كان رفضه المتكرر مقابلة الجنرال داني ماط، الذي كان منسق أنشطة الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وكان يريد ربط شبكتي المياه والكهرباء النابلسيتين بشبكتي إسرائيل.
عيزر وايزمان، وهو الرئيس الإسرائيلي السابق، صرح بأن ما قاله الشكعة ليس هو السبب، بل الموقف الذي تصدر عنه الكلمات، فقد سلم وايزمان بأن الأسباب الداعية إلى إبعاد الشكعة لا تستند إلى المحادثة بينه وبين الجنرال ماط، فقد كانت المحادثة نهاية الحكاية وجزءاً من معلومات كثيرة متراكمة عن رئيس البلدية، خاصة:
أنه «حُذر الشكعة في السابق من المضي في نشاطاته الاستفزازية».

قوة بسام الشكعة أستفزاز للأدارة المدنية :
مثلاً جدال داني ماط وبسام الشكعة ، التي نقلتها بالحرفية الصحف الإسرائيلية، يجب أن يدرسه الجميع ، وكذلك رده العنيف والقوي النابع من تعامل أعدائه معه من منطلق أنه إنسان شريف، كما وصفه ميلسون شخصياً رغم عدائه الواضح له. وحينما رفض الحاكم العسكري لنابلس لقاءه، فرفض الشكعة في المقابل أن يلتقي به حينما طلب ذلك، خاطبه ذلك الحاكم بكل غطرسة: «أنت على ما يبدو لا تعرف أمام من تقف، أنت أمام الحاكم العسكري الذي يستطيع سجنك وإبعادك»؛ هنا رد الشكعة: «أعرف أني أمام الحاكم العسكري المعيّن لمدينة نابلس يوسف لونتس. لكن على ما يبدو أنك من لا يعرف أمام من يقف»، وقال له بنبرة قوية: «أنت أمام بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس المنتخب، الذي من واجبه الحفاظ على كرامته وكرامة بلده، يحق لي رفض مقابلتك كما رفضت مقابلتي».

هذا النموذج أسقطه الفلسطينيون بوعيهم قبل نضالاتهم…لاقت رفضاً شعبياً ووطنياً ودفعت إلى نبذ روابط القرى والتعامل معها بصفتها جهة خيانية تتبع قوات الاحتلال. وساهم في هذا ممارسات الرابطة عبر استخدام السلاح ضد المواطنين الآمنين وترويعهم والاعتداء على ممتلكاتهم، وكلها أمور عجلت في نهاية الروابط عام 1984.
* المصدر : عدة مصادر من الكتب والصحف

شاهد أيضاً

صورة وجواز سفر وحكاية

صورة جواز سفر جدنا المرحوم عبدالرحمن خليل منصور زمن حكومة عموم فلسطين