الرئيسية / غير مصنف / اسرائيل ليست ديموقراطية

اسرائيل ليست ديموقراطية

يكتب المحامي ميخائيل سفراد، المختص بقانون حقوق الإنسان، في صحيفة “هآرتس”:

“اتذكر السنة الحادية والعشرين. كنت في حينه طالبا في الثانوية، وقد اندلعت الانتفاضة الاولى وغطت شاشات التلفزيون صور الشبان المقيدين ومعصوبي الأعين. الخط الأخضر، الذي تم شطبه من الخرائط التي استخدمت لتدريسنا الجغرافيا والوطن، وقود النيران التي اشعلت الاطارات على امتداده، والفهم البسيط بدأ بالتغلغل: في المكان الذي يسود فيه الاحتلال هناك اناس تم احتلالهم.

اتذكر السنة الحادية والعشرين لأن الانتفاضة اندلعت على مسافة امتار معدودة من بيتي، على الخط الفاصل بين القدس الغربية والقدس الشرقية، وايضا لأنه تم في حينه تأسيس حركة احتجاج باسم “السنة الحادية والعشرين”. من الواضح ان اولئك الذين اقاموا تنظيما يحمل اسما يرتبط بتاريخ قصير الأجل، لم يفكروا بأن الاحتلال سيصل الى نصف قرن ولن تظهر أي دلائل للخروج الى التقاعد. من المؤكد انهم لم يتخيلوا بأنه بعد انتفاضتين و25 سنة على “عملية السلام”، سيتعمق الاحتلال وسيزدهر الاستعمار الاسرائيلي ويتضخم.

خلال الـ30 سنة التي مضت، تصرف المعسكر السياسي المؤيد لتقسيم البلاد، في غالبيته، كجانب في الخلاف الداخلي، ويتقبل القيود المفروضة على الحوار بين موقفين شرعيين. ويمكن رؤية هذا التوجه من خلال النقاش الدائر في الجناح الذي يسمي نفسه “معسكر السلام” حول شرعية رفض الخدمة العسكرية في المناطق. على الهامش كان هناك من دعم رافضي الخدمة باسم حرية الضمير، لكنه لم تعتبر أي جهة لها مكانتها، رفض الخدمة بمثابة أداة مشروعة

لتحقيق التغيير، وبالتأكيد لم يدع أحد الى رفض الخدمة. لأن اسرائيل هي ديموقراطية، وفي الديموقراطية يقنعون ولا يملون.

هذا المنطق ذاته هو الذي اخرج من داخل الجدار، النشاط الاسرائيلي في الخارج من اجل انهاء الاحتلال. اخرجوا “يكسرون الصمت” و”بتسيلم” والاسرائيليين الشجعان الآخرين الذين يقولون باللغة الانجليزية ما يقولونه باللغة العبرية، طبعا عندما لا يفرصون عيلهم الصمت بواسطة العنف والقوانين. وهذا المنطقة هو الذي يغذي معارضة الكثيرين من المؤيدين لإنهاء الاحتلال، لكل انواع المقاطعة، حتى تلك التي تركز على المستوطنات. لأنه في الديموقراطية يتناقشون، ولا يقاطعون.

لكنه في وقت لاحق، وفي سياق الاحتلال، يصعب الدفاع عن المفهوم الذي يعتبر اسرائيل ديموقراطية، ولذلك فان الموقف الذي يقول انه يجب حصر طرق النضال ضد الاحتلال بنشاطات الاقناع الداخلي، ليست خاطئة فقط وانما ليست اخلاقية.

النظام الذي يسمح لقسم من رعاياه فقط بالمشاركة السياسية ليس ديموقراطيا. صحيح انه توجد في اسرائيل سلطة تشريعية منتخبة، وفصل بين السلطات وحرية صحافة (كلها تواجه الخطر حاليا)، لكنها تسيطر منذ خمسة عقود على ملايين البشر الذين يفتقدون الى حق الانتخاب والترشيح في النظام الذي يحكمهم. اسرائيل لا تسلبهم حقوق المواطنة فحسب، وانما تسلب اراضيهم ومواردهم من خلال تحويلها الى المميزين من مواطنيها، وتمنع عنهم بالقوة والوحشية الاستقلالية والتأثير على تحديد مستقبلهم.

حتى لن كان يمكن القول في بداية الطريق، بأن المقصود حالة مؤقتة وانه من غير المناسب بسبب الاحتلال سلب اسرائيل لقبها كديموقراطية، الا انه كلما مضى الوقت كلما واجهت الرموز الديموقراطية لنظامها صعوبة في تحمل العبء الثقيل للواقع المستبد الذي تفرضه. ربما كان

يمكن في السنة الثانية (للاحتلال) الادمان على الوهم بأن اسرائيل تبحث عن حل لا يشمل التنكر العلني لفكرة ان كل انسان، حتى وان كان فلسطينيا، يتمتع بالحقوق. لكن ملف الادلة التي تدين المحتل اليوم بالتآمر على ترسيخ السيطرة على الارض وفرض نظام، يشكل عمليا نظام أبرتهايد، على الفلسطينيين والحفاظ عليه، ينفجر لكثرة المسدسات الساخنة.

في بداية السنة الحادية والخمسين للاحتلال، يجب القول بصوت عال وواضح: اسرائيل المستوطنة، التي تسلب وتمنع الحقوق عن ملايين البشر طوال عشرات السنين، لا يمكن ان تعتبر دولة ديموقراطية. ربما في اليونان القديمة كان يمكن تطبيق الديموقراطية في الوقت الذي كان يحتجز فيه العبيد تحت بيوت المواطنين. ولكن منذ اعترفت الانسانية بالحقائق الواضحة ضمنا – بأن البشر كلهم يتمتعون بحق الحياة والحرية والسعي الى السعادة – فان النظام الذي يسيطر على ملايين البشر المحرومين من الحقوق، ويفعل كل شيء من اجل ترسيخ هذه السيطرة هو ليس نظاما ديموقراطيا.

ويشتق من هذا ان استمرار الاحتلال ليس شرعيا، وليس مهما حجم الغالبية التي تدعمه في اسرائيل. تماما كما ان الفصل العنصري ليس شرعيا، وكما ان الأبرتهايد ليس شرعيا. كإسرائيليين نتحمل المسؤولية الجماعية عما يتم عمله باسمنا، علينا محاربة الاحتلال بكل الوسائل غير العنيفة، دون ان نتقبل القيود التي تفرض على النقاش الداخلي الشرعي في الديموقراطية. يجب رفض المساعدة على استمرار الاحتلال ومقاطعة اقتصاده واقناع العالم بأنه يجب الضغط على اسرائيل لإنهائه.

لو كان المعسكر المعارض للاحتلال مصرا بما يكفي، ولو توقف عن الادمان على اكذوبة الديموقراطية الاسرائيلية، لكان يوم يوبيل الاحتلال، قد تحول على الأقل الى يوم اضراب سياسي. يوم يتغيب فيه الاساتذة والمحاضرين عن غرف التعليم، ويلغي الممثلين العروض

الفنية، ويغلق التجار متاجرهم. يوم كان الجمهور الاسرائيلي يتلقى فيه رسالة واضحة: مقاومة الاحتلال هنا، ستبقى، ولن تذهب الى أي مكان.

المقاومة المدنية هي امر الساعة لكي تكون السنة الحادية والخمسين للاحتلال هي السنة التي يبدأ فيها تفككه.

شاهد أيضاً

“المستوطنات لا تخدم المصالح الأمنية الاسرائيلية”

قياديون سابقون في الجيش الاسرائيلي: “المستوطنات لا تخدم المصالح الأمنية الاسرائيلية” تكتب صحيفة “هآرتس“: ان …